بقلم: صابر بليدي
لا زالت نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر، تلقي بظلالها على المشهد العام، بعد افرازها لجملة من المعطيات السياسية غير السارة للطبقة السياسية عموما، وأحزاب الائتلاف الحاكم على وجه الخصوص. فكان موعد 17 مايو أن يمر كغيره من المواعيد، التي تعيد اصطفاف وترتيب اطراف المعادلة في الخريطة السياسية، لكن الرسالة القوية التي وجهها الجزائريون للسلطة والطبقة السياسية معا، بواسطة أسلوب المقاطعة الذي بلغ لأول مرة منذ الاستقلال 65 بالمئة، جعلت الموعد منعرجا حاسما، ستتحدد عليه الكثير من الاستحقاقات المقبلة، وتدفع الجميع الى اعادة ترتيب أوراقه. ويرى المراقبون أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية السادسة في تاريخ البلاد، هي قمة نضج الفرد الجزائري لأنه عبر عن موقفه بطريقة جد سلمية وحضارية، وصفع من خلالها المتنافسون على مقاعد البرلمان، من خلال تعذيبهم بعقدة الشرعية المهزوزة، التي تجعل البرلمان المنتخب في عين الاعصار في أي لحظة، وتجعله أيضا غير قادر على اتخاذ القرارات الحاسمة في البلاد، كون ذلك المشرّع لا يمثل في أحسن الأحوال 35 بالمئة من الجزائريين. ولو أن السلطة في أولى ردود فعلها حاولت التهوين من حجم المقاطعة، وبرر زرهوني ذلك بعاملين اثنين، الأول هو الغاء صناديق الاقتراع داخل ثكنات الجيش والأمن، والثاني هو عدم اقتناع الناخب الجزائري بالوجوه والبرامج التي عرضت عليه. فان المراقبين يوعزون المقاطعة الى أسباب وخلفيات أعمق من مجرد قراءات سطحية، ويعتبرونها بمثابة الانذار الذي يستوجب أخذه بعين الاعتبار، وتحليل أبعاده قبل أن تتحول تعقيداته الى أزمة سياسية جديدة.
انتخابات 17 مايو الجاري بقدر ما أعادت ترسيم الأغلبية في يد الائتلاف الحاكم، وتعديل المشهد العام للغرفة السلفى بالأحزاب الصغيرة، والعائد الى الساحة حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية، بقدر ما كشفت الهزال الذي تعانيه الطبقة السياسية، وجعلت فوز التحالف بالأغلبية، بمثابة الهزيمة نظرا للهزة القوية التي أحدثتها المقاطعة الشعبية، وتحميله المسؤولية بطريقة غير مباشرة عن ذلك، فثلاثي جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم، لعب طيلة السنوات الثلاث الفارطة دور السلطة، والقوى السياسية الكبرى في البلاد، فهو من جهة يقتسم حقائب الحكومة، ومن جهة أخرى يستحوذ على الأغلبية النيابية، الى درجة أن تحول الى أغلبية ساحقة أغلقت كل المنافذ في وجه المعارضة. وعليه يعتبر الملاحظون أن الأغلبية التي حققها التحالف في البرلمان الجديد، لا تمثل الا مايعرف لدى البعض بالمجتمع الافتراضي، المتشكل من فعاليات المجتمع المدني والسياسي، وليس المجتمع الحقيقي، المتشكل من فئات العمال والبطالين والكادحين المشتغلين على تحصيل القوت اليومي. وعليه فان الباحث عن خلفيات وابعاد المقاطعة القوية، سيجدها في ثنايا الأداء الحكومي، وممارسات تلك الأحزاب في تقديم خطاباتها وبرامجها.
نسبة المشاركة وان كانت لا تطرح اشكالا قانونيا او دستوريا، فان مأزقها السياسي لا غبار عليه، نتيجة التراجع الكبير مقارنة بانتخابات 2002 حيث فاق نسبة 10 بالمئة. والمتفحص في سيرة الانتخابات التشريعية منذ دخول البلاد عهد التعددية الحزبية في 1988، يلاحظ أن أعلى نسبة سجلت في انتخابات 1991 التي فازت بها آنذاك الجبهة الاسلامية للإنقاذ المنحلة وقدرت ب 60 بالمئة، وحينها طرح أكثر من سؤال عما سمي بالأغلبية الصامتة، رغم الحراك السياسي القوي الذي ساد البلاد آنذاك، بين ما كان يعرف بالمشروع الاسلامي والمشروع الوطني. ومنذاك اخذت نسبة المشاركة في التراجع، بسبب افتقاد الفعل الانتخابي لبريقه الديمقراطي، ثم حملات التزوير التي شابته بعد ذلك، الأمر الذي رفع عنه صدقيته وتفاعل المواطن معه. والمثير في القضية أن الأمر لايسقط على الانتخابات أو الاستفتاءات التي تتعلق برئيس الجمهورية، وكأن الجزائريين لا يريدون التعاطي الا مع بوتفليقة، ويديرون ظهورهم للحكومة والطبقة السياسية، وفي ذلك رابط منطقي برأي المتتبعين، نظرا لارتباط المصالحة الوطنية والتنمية ببوتفليقة، وليس بالحكومة أو البرلمان. في الحين الذي اكتفت فيه الطبقة ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |