المصالحة الوطنية في الجزائر.. مزيدا من الثمن!

كتبهاصابر بليدي ، في 8 سبتمبر 2007 الساعة: 23:45 م

بقلم: صابر بليدي

قد يكون من الخطأ، أن تعقيدات الازمة الجزائرية، التي كادت ان تأتي على الأخضر واليابس، ستطوى هكذا بمشروع سياسي، يدعو الى التسامح والتصالح بين الاخوة الأعداء. فالتصعيد الأمني الاستعراضي، الذي شهدته الجزائر في ظرف لم يتجاوز 48 ساعة، يؤكد أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، لا زال مصرا على عملياته الاجرامية، من أجل تاكيد وجوده، وخطف المزيد من الأضواء، لا سيما وان التفجيرات التي نفذت في كل من باتنة وبومرداس، جاءت ساعات فقط قبل ذكرى 11 سبتمبر 2001، وجاءت ايضا في خضم اطلالة أسامة بن لادن على العالم، بعد سنوات من الاختفاء في مغارات أفغانستان. وعليه يتأكد بأن مشروع المصالحة الوطنية، الذي اطلقه الرئيس بوتفليقة، وزكاه بقوة الشعب الجزائري في 2005، في حاجة الى مزيد من التضحيات، لأن التنازلات التي قدمها الجزائريون لحق الدماء، لم تقنع بعد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي. وان كانت قيادة البلاد، وفعاليات المجتمع السياسي والمدني، تؤمن بان المصالحة الوطني، خيار حتمي للأزمة الجزائرية، وحملة التنديد الشاملة، والمسيرات الشعبية العارمة، هي استفتاء غير مبرمج على الخيار. فان البلاد في حاجة أيضا لترتيب اوراقها، بخصوص التعاطي مع التطورات الأمنية المتصاعدة، لأن استراتجية التفجيرات، والعمليات الانتحارية، هي نقلة نوعية في مسار التنظيم، وعليه ينبغي تكييف اليقظة والتعبئة، مع مثل هذه الحوادث المروعة، التي انطلقت في شهر أفريل الماضي من العاصمة، أين تم استهداف قصر الحكومة، ومقار الأمن في حي باب الزوار، وتطورت لحد استهداف موكب رئيس الجمهورية، الذي حل بعد دقائق من وقوع الحادث في مدينة باتنة، ثم الى بومرداس بالقرب من العاصمة، حيث استهدفت ثكنة لخفر السواحل، بعدما استهدفت في شهر جوان الماضي، ثكنة للجيش في مدينة الأخضرية.

هذه الحوادث المروعة التي هزت الجزائر في ظرف ستة أشهر، بقدر ما كشفت عن مدى بشاعة وبطش تنظيم القاعدة، بقدر ما هزت أيضا قدرات الأمن والجيش الجزائري، على التكيف السريع مع تحول التنظيم، من تنظيم محلي، الى تنظيم منضوي تحت لواء أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري. ولو أن حالة الاسترخاء مشروعة ومنطقية، مقارنة بالجهد الكبير المبذول طيلة العقد الماضي. وحتى التباشير التي حملها العائدون الى أحضان المجتمع، في اطار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، تكون قد اوهمت الجميع، سياسيون، ومؤسسات أمن وجيش، لأن الأحداث الأخيرة أكدت، أن هناك من الحاقدين على مشروع المصالحة الوطنية، من بامكانهم التجرد من كل شيئ، يرمز للدين والوطن، والأهل والمشاعر، والانسانية، في سبيل تنفيذ اجندتهم الدموية، وعليه فالمصالحة الوطنية في الجزائر، مرشحة لدفع المزيد من الثمن، في سبيل ارساء قواعدها، وتجسيد مقوماتها، وأولى تلك القواعد والمقومات، هي ملاحقة تلك الجيوب، لاراحة البلاد والعباد، من بطشها وشرها.

أحداث باتنة وبومرداس، التي راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى الأبرياء، حملت في طياتها العديد من الاشارات والرسائل، وأولها أن تنظيم القاعدة، الذي عرف بايديولجيته المعادية، لما يسميه بالغرب الصليبي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل، وناهض سياسة الاحتلال، التي يتعرض لها العراق وأفغانستان. بات يعادي الشعوب التي نبت فيها، ويعادي قيادات عربية واسلامية، على ما فيها، لا يمكن بأي حال من الأحوال، تبرير ما يقع في بلدانها. ومنه لم يعد سرا أن سير التطورات، أثبت أن أجندة القاعدة، باتت شريكة، أو موظفة لدى مصالح واطراف معادية، للبلدان التي تعسكر فيها. ويكون الرئيس بوتفليقة، ووزير الداخلية، وكذا رئيس الحكومة، قد فاض كأسهم، وخرجوا من تقاليد التحفظ الديبلوماسي، لما اشار الرئيس الى عواصم وقيادات، لم يسميها بالاسم، في خضم التحذيرات الشديدة، التي وجهها عقب تفجيرات باتنة، وهو ما يوحي الى أن أطرافا خارجية وحتى داخلية، لا تريد الاستقرار للجزائر، ولا تتواني في الانتقام منها، ومن شعبها، بضرب مشروع المصالحة الوطنية.

اشارات الرئيس بوتفليقة، وإن لم يفتها أن أيادي القاعدة، هي التي نفذت وتنفذ مختلف الاعتداءات، فانها أرادت لجم الأطراف، المستفيدة من خلق أوضاع غير مستقرة في لجزائر، سواء على الصعيد الاقتصادي، او السياسي. وعليه هدد ما أسماه بالعواصم والقيادات، والأيادي المنفذة، الأمر الذي يوحي الى أن اطرافا عدة تشترك في عدائها للجزائر. وتكون القاعدة شريكا، أو أداة لتنفيذ المخطط الذي يستهدف الجزائر، والمنطقة عموما. خاصة وان بعض المواقف الثابتة للجزائر، ازاء بعض القضايا، قد يكون مقلقا لتلك الأطراف. فالتصعيد الأخير قد يندرج، في سياق اثبات المبررات والذرائع، الداعية لاقامة القيادة الجهوية لافريقيا في البنتاغون " أفريكوم "، وهو المشروع الذي تعارضه الجزائر، وترفض اقامته على ترابها. ومنه فان الفرضية المذكورة تضع القاعدة، في موضع مكشوف، شريكا، أو موظفا. هذا علاوة على فرضيات أخرى، تستمد جذورها من الخارج كما الداخل، وتحركها أطماع مختلفة، ومصالح لن تتحقق الا في اوضاع اللاستقرار واللاأمن.

رسالة القاعدة الرافضة لمشروع المصالحة الوطنية في الجزائر، انتقلت من ضرب المشروع، الى ضرب أصحاب المشروع، فاستهداف بوتفليقة لم يكن ليحدث، الا لكونه صاحب المشروع، واستهداف مصطفى كرطالي، قبله بايام، لم يكن لولا ان الرجل، يمثل احدى ثمار المشروع، الذي حمل أحد رموز التمرد المسلح، على العودة لحضن مجتمعه واهله. وعليه جاء تاكيد الرئيس بوتفليقة، على حتمية المصالحة الوطنية للجزائريين، رغم الداء والأعداء، ليثبت أن قيم التسامح والتصالح، هي الملاذ الوحيد لكل الأحقاد والضغائن، وأن التصعيد الأمني، هنا او هناك، لن يؤثر قيد انملة فيه، أو يدفعه للتراجع عنه، بعدما زكاه الجزائريون بقوة. ويكون ترديده لعبارته المشهورة " هؤلاء و اولئك " في اشارة الى أجنحة التطرف، لدى الاسلاميين والاستئصاليين. جزما على أن المشككين، او المترصدين بالمصالحة الوطنية، لن ينالوا مرادهم، رغم ما يروه من الأحداث الأخيرة، مبررا لقبر الخيار والعودة الى مربع الصفر.    

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر