الانتخابات التشريعية في الجزائر.. الكل في مأزق!
كتبهاصابر بليدي ، في 29 مايو 2007 الساعة: 17:01 م
بقلم: صابر بليدي
لا زالت نتائج الانتخابات التشريعية في الجزائر، تلقي بظلالها على المشهد العام، بعد افرازها لجملة من المعطيات السياسية غير السارة للطبقة السياسية عموما، وأحزاب الائتلاف الحاكم على وجه الخصوص. فكان موعد 17 مايو أن يمر كغيره من المواعيد، التي تعيد اصطفاف وترتيب اطراف المعادلة في الخريطة السياسية، لكن الرسالة القوية التي وجهها الجزائريون للسلطة والطبقة السياسية معا، بواسطة أسلوب المقاطعة الذي بلغ لأول مرة منذ الاستقلال 65 بالمئة، جعلت الموعد منعرجا حاسما، ستتحدد عليه الكثير من الاستحقاقات المقبلة، وتدفع الجميع الى اعادة ترتيب أوراقه. ويرى المراقبون أن نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية السادسة في تاريخ البلاد، هي قمة نضج الفرد الجزائري لأنه عبر عن موقفه بطريقة جد سلمية وحضارية، وصفع من خلالها المتنافسون على مقاعد البرلمان، من خلال تعذيبهم بعقدة الشرعية المهزوزة، التي تجعل البرلمان المنتخب في عين الاعصار في أي لحظة، وتجعله أيضا غير قادر على اتخاذ القرارات الحاسمة في البلاد، كون ذلك المشرّع لا يمثل في أحسن الأحوال 35 بالمئة من الجزائريين. ولو أن السلطة في أولى ردود فعلها حاولت التهوين من حجم المقاطعة، وبرر زرهوني ذلك بعاملين اثنين، الأول هو الغاء صناديق الاقتراع داخل ثكنات الجيش والأمن، والثاني هو عدم اقتناع الناخب الجزائري بالوجوه والبرامج التي عرضت عليه. فان المراقبين يوعزون المقاطعة الى أسباب وخلفيات أعمق من مجرد قراءات سطحية، ويعتبرونها بمثابة الانذار الذي يستوجب أخذه بعين الاعتبار، وتحليل أبعاده قبل أن تتحول تعقيداته الى أزمة سياسية جديدة.
انتخابات 17 مايو الجاري بقدر ما أعادت ترسيم الأغلبية في يد الائتلاف الحاكم، وتعديل المشهد العام للغرفة السلفى بالأحزاب الصغيرة، والعائد الى الساحة حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية، بقدر ما كشفت الهزال الذي تعانيه الطبقة السياسية، وجعلت فوز التحالف بالأغلبية، بمثابة الهزيمة نظرا للهزة القوية التي أحدثتها المقاطعة الشعبية، وتحميله المسؤولية بطريقة غير مباشرة عن ذلك، فثلاثي جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم، لعب طيلة السنوات الثلاث الفارطة دور السلطة، والقوى السياسية الكبرى في البلاد، فهو من جهة يقتسم حقائب الحكومة، ومن جهة أخرى يستحوذ على الأغلبية النيابية، الى درجة أن تحول الى أغلبية ساحقة أغلقت كل المنافذ في وجه المعارضة. وعليه يعتبر الملاحظون أن الأغلبية التي حققها التحالف في البرلمان الجديد، لا تمثل الا مايعرف لدى البعض بالمجتمع الافتراضي، المتشكل من فعاليات المجتمع المدني والسياسي، وليس المجتمع الحقيقي، المتشكل من فئات العمال والبطالين والكادحين المشتغلين على تحصيل القوت اليومي. وعليه فان الباحث عن خلفيات وابعاد المقاطعة القوية، سيجدها في ثنايا الأداء الحكومي، وممارسات تلك الأحزاب في تقديم خطاباتها وبرامجها.
نسبة المشاركة وان كانت لا تطرح اشكالا قانونيا او دستوريا، فان مأزقها السياسي لا غبار عليه، نتيجة التراجع الكبير مقارنة بانتخابات 2002 حيث فاق نسبة 10 بالمئة. والمتفحص في سيرة الانتخابات التشريعية منذ دخول البلاد عهد التعددية الحزبية في 1988، يلاحظ أن أعلى نسبة سجلت في انتخابات 1991 التي فازت بها آنذاك الجبهة الاسلامية للإنقاذ المنحلة وقدرت ب 60 بالمئة، وحينها طرح أكثر من سؤال عما سمي بالأغلبية الصامتة، رغم الحراك السياسي القوي الذي ساد البلاد آنذاك، بين ما كان يعرف بالمشروع الاسلامي والمشروع الوطني. ومنذاك اخذت نسبة المشاركة في التراجع، بسبب افتقاد الفعل الانتخابي لبريقه الديمقراطي، ثم حملات التزوير التي شابته بعد ذلك، الأمر الذي رفع عنه صدقيته وتفاعل المواطن معه. والمثير في القضية أن الأمر لايسقط على الانتخابات أو الاستفتاءات التي تتعلق برئيس الجمهورية، وكأن الجزائريين لا يريدون التعاطي الا مع بوتفليقة، ويديرون ظهورهم للحكومة والطبقة السياسية، وفي ذلك رابط منطقي برأي المتتبعين، نظرا لارتباط المصالحة الوطنية والتنمية ببوتفليقة، وليس بالحكومة أو البرلمان. في الحين الذي اكتفت فيه الطبقة السياسية بدور التأييد، والكسل عن تقديم المقاربات البديلة للتكفل بانشغالات الشارع واهتماماته. فكانت نسبة المشاركة الشعبية تفوق 70 بالمئة في الاستحقاقات الرئاسية أو الاستفتاءات منذ سنة 1999.
البرلمان الجديد يبدو أن مأزقه السياسي بدأ قبل تنصيبه، ففيما كان ينتظر تنصيبه يوم الأحد الفارط، تم تأجيل الأمر الى يوم الخميس المقبل، وجاءت البداية بخرق للدستور على حد تعبير دوائر سياسية واعلامية محلية، نتيجة القراءة المتضاربة للمادة الدستورية التي تحدد المدة الفاصلة بين الاعلان عن النتائج وأول جلسة بعشرة ايام. ففريق قرأها بداية من اعلان وزارة الداخلية، وآخر قرأها باعلان المجلس الدستوري. والعارفون بالتطورات السياسية أرجعوا التأجيل الى حالة الارتباك التي يمر بها الائتلاف الفائز بالأغلبية والسلطة معا، نتيجة عدم الرسو المسبق على الشخصية التي تضطلع بمهمة رئاسة الغرفة السفلى، حيث لازالت والى غاية تحرير هذا الموضوع العديد من الأسماء متداولة في الكواليس، رغم أن النتائج أفرزت أغلبية واضحة لجبهة التحرير الوطني، وكان بالامكان المضي قدما في العملية لوكانت حالة الانسجام متوفرة. وعلى ذكر النتائج فان الخاسر الأكبر في هذه التشريعيات هو حزب بلخادم الذي سجل تراجعا كبيرا فاق 60 مقعدا مقارنة بانتخابات 2002، وهو ما يضع رئيس الحزب والحكومة معا في عين الاعصار، نتيجة حالة التململ الداخلي، الذي يؤشر الى تعقيدات مستقبلية في صفوف الحزب العتيد، لتتأكد بذلك حالة الشرخ، وامتدادات أزمة 2004 بين انصار الأمين العام الأسبق علي بن فليس، وأنصار الرئيس بوتفليقة. فرغم أن مأمورية الحزب عادت لأنصار الأخير، الا أن خيارات بلخادم أثبتت فشلها نتيجة اعتماده على الوجوه المستهلكة في الأجهزة التنفيذية من وزراء ومسؤولين، فشل نصفهم في ضمان منصبه وتراجع بذلك نصيب الحزب من 199 مقعدا الى 136 مقعدا، وهو ما قد يسقطه من هرم الجبهة، وربما قد يسبق الجميع بتقديم استقالته كما ذكر خلال الحملة الانتخابية.
اما الخاسر الثاني في هذه الانتخابات فهو حركة الاصلاح الوطني في طبعتها الجديدة بقيادة محمد بولحية، حيث تراجع رصيدها من 40 مقعدا الى 03 مقاعد فقط، وهي النتيجة التي أكدت توقعات زعيمها السابق عبد الله جاب الله، الذي صرح أثناء الانقلاب الأبيض الذي نفذ ضده من طرف معارضيه في صفوف الحركة، بانه يتحدى خصومه ان تحصلوا على عشرة مقاعد، وهو ما تاكد فعلا، مما يؤكد أن قبعة الرجل هي التي تحتضن الاصلاح كما احتضنت في السابق حركة النهضة، وكل شيئ خارجها لا يمثل شيئا. من جهة اخرى رفع طرفا التحالف التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة رئيس الحكومة السبق احمد اويحي، وحركة مجتمع السلم بقيادة ابوجرة سلطاني، رصيدهما بحوالي 30 مقعدا مجتمعين، مما يظهر نتائج عملية التفرغ للعمل الحزبي الذي باشره أويحي منذ تنحيته من رئاسة الحكومة، وكذا ثمار شعار التغيير الهادئ الذي رفعه " اخوان " الجزائر، وهو ما يسمح لهما بالتموقع الجيد سواء داخل الحكومة المقبلة، أو داخل التحالف الرئاسي. الذي صرح زعماءه الثلاثة، بانهم مستمرون في ذلك، لكن الرؤية لا زالت غامضة نتيجة النتائج المحصل عليها، ومدى التنازلات الممكن تقديمها من طرف حزب بلخادم، على اعتبار أن تراجع حصيلته، يعني تراجع مواقعه حتى مع شركائه، ولو أنه احتفظ بالأغلبية، فهي غير مريحة، وأي طلاق مع أي شريك، سيكلفه متاعب في الهيئتين التشريعية والتنفيذية.
مؤشرات الصعود لم تتعلق بشريكي عبد العزيز بلخادم فقط، بل تعدتها الى باقي الأحزاب الاخرى، كحزب العمال، والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية، والجبهة الوطنية الجزائرية. فالخطاب اليساري لزعيمة العماليين لويزة حنون، وتمسكها بشعارات الحفاظ على الثروات الوطنية، والقطاع الحكومي سمح لها بالاستفادة بمقاعد جديدة مقارنة بانتخابات 2002، حيث صار في حوزتها 26 مقعدا. اما العائد الى الساحة من خندق المقاطعة الدكتور سعيد سعدي، سمح للحزب الذي أعاد النظر في خطابه العلماني المناوئ للإسلاميين في الاونة الأخيرة، من الحصول على 19 مقعدا معظمها في معاقله الكلاسيكية بمنطقة القبائل. أما موسى تواتي المستفيد من اخفافات الخط الوطني، فقد مكنه توظيفه لتلك الأوراق من الحصول على 15 مقعدا. كما حافظ الأحرار على رصيدهم المقدر بحوالي 30مقعدا، وتوزعت المقاعد الأخرى على تشكيلات سياسية توصف بالمجهرية.
سرد الأرقام لا يغير من السياق العام شيئا، لا سيما وان مئات الطعون التي أودعتها العديد من الأحزاب لدى المجلس الدستوري، للنظر فيها بخصوص ما يرونه تزويرا سافرا وقع في الكثير من المواقع الانتخابية، قد يعدل المشهد السياسي مجددا، وبالتالي خلط الأوراق، لاسيما وأن تقرير رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات سعيد بوشعير، الذي وجهه لرئيس الجمهورية طالبا منه التدخل لوقف ما أسماه التزوير الفاضح، لازال يثير المزيد من الجدل حول خلفياته، وكذا موقف رئيس الجمهورية منه. خاصة بعد تضارب المواقف حوله بين قطب مؤيد يشمل الاحزاب الذي وقّعت عليه، وبين قطب متحفظ او معارض له يشمل الفائزين بمقاعد البرلمان، وحتى التلاسن الذي نشب بين وزير الداخلية وبين بوشعير، لازال هو الآخر يثير استفهامات برأي بعض الأوساط، فالأول ذكر ان الثاني اعتذر عن تقريره، وما حدث هو ضغط العمل المتواصل، والثاني ذكر أنه لم ولن يعتذر، ومادوّن في التقرير هو ثابت، وبالتالي فان قبضة الحديد بين الطرفين، لن تجد طريقها الى الحل الا بواسطة موقف رئيس الجمهورية.
وعلى كل فان المراقبين يعتبرون ذلك أحد أسباب المقاطعة الشعبية، التي تنوعت بين امتناع عن التصويت قدر ب 13 مليون ناخب ممتنع، وبين التصويت السلبي الذي قدر بحوالي مليون صوت ملغى، وهو رقم كبير يضم في ثناياه حوالي 100 مقعد برلماني، وهو الوعاء الذي ارجعته مصادر حيادية الى الأمية الانتخابية، والى الداعين للمقاطعة كحزب جبهة القوى الاشتراكية، وبعض أطياف جبهة الانقاذ المحظورة، وكذا أنصار جاب الله في حركة الاصلاح الوطني، وبعض المنتقمين من خيارات بلخادم في اعداد القوائم النيابية. وهي الجهات التي لا تكتفي بذلك وتعتبر أن صواب خيارها في المقاطعة، هو الذي أقنع ثلثي الهيئة الناخبة بذلك. باعتبار ان الثلث المتبقي، هو المعروف جزائريا بالأغلبية الصامتة، التي لا تهتم بالانتخابات التشريعية أصلا. وعليه ستحاول توظيف هذه الورقة الثقيلة في وجه السلطة، والهيئتين التشريعية والحكومية الجديدتين، وسيكون بامكانها خلق متاعب حقيقة للسلطة والطبقة السياسية الحالية، اذا لم يتم تدارك الموقف، والتوقف الجدي عند المقاطعة الشعبية للإنتخابات.
وبرأي الملاحظين فان رسالة الشعب التي بلّغت بدون تشويش او شوائب في هذا الاستحقاق، وجهت نسختها الأولى الى الحكومة، التي لم تستطيع خلق تكفل حقيقي بانشغالات وطموحات المواطنين، وبالتالي فان اشتغالها على الهامشيات، ولّد حالة من اليأس الاجتماعي، الذي قد يدفع الى انفجار اجتماعي غير محسوب العواقب. اما النسخة الثانية فقد وجهت للطبقة السياسية والى المنتخبين، فالأولى تحولت الى سجلات تجارية للإسترزاق والانتهازية، بدل التأسيس لمقاربات سياسية ونضالية تحترم أصول الديمقراطية، وتسهر على خلق البدائل عوض التحول الى ابواق أو دوائر ضيقة، اما الفئة الثانية ولأنها صارت تحصيل حاصل لذلك الوضع المشوه، فانها ابتعدت عن رسالتها التمثيلية، وابتعدت بالتالي المؤسسات التي تنتمي اليها، عن مهمتها الحقيقية وهي ممارسة الرقابة على الأجهزة التنفيذية. أما النسخة الثالثة فقد وجهت لرئيس الجمهورية الذي حقق الأمن والاستقرار، ولم يحقق الوثبة التنموية المنشودة، رغم الراحة المالية لخزينة الدولة، والسبب هو اعتماده على طواقم تنفيذية وسياسية ليست في مستوى برنامجه، فالتأييد والمساندة الشاملة تحول الى تعطيل لبرنامجه الطموح. ومنه فان كل الأطراف مدعوة من مواقعها، لاعادة النظر في منظومتها، والخطوة الأولى في متناول رئيس الجمهورية ابتداء من الحكومة المقبلة، الى مشروع تعديل الدستور، وربما انتخابات تشريعية مسبقة في 2009 لاستعادة ثقة الشعب في مؤسسسات دولته واستحقاقاتها. بدل الاستمرار في القراءات العرجاء التي قدمتها بعض الاطراف السياسية، عوض الاعتراف والاعتذار للشعب الجزائري عما لحقه منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























