الانتخابات التشريعية في الجزائر.. الأحزاب تطحن الماء والشارع يقترع باللامبالاة!

كتبهاصابر بليدي ، في 1 مايو 2007 الساعة: 03:40 ص

بقلم: صابر بليدي

كل الساعات في الجزائر، ضبطت عقاربها على موعد 17 ماي المقبل، الذي تجري فيه الانتخابات التشريعية، و أهمية الاستحقاق لا تنحصر فقط في تنافس الأحزاب السياسية على الفوز بالأغلبية، في الغرفة السفلى للبرلمان، بل تمتد الى مستقبل المرحلة المقبلة، فهي المنعرج الحاسم الذي تتحدد فيه حظوظ ومستقبل كل حزب سياسي، في مرحلة مطلعها تعديل مرتقب لدستور البلاد خلال هذه الصائفة، ونهايتها انتخابات رئاسية في 2009 يشوبها الكثير من الغموض، في حال عزف الرئيس بوتفليقة عن الاستمرار أكثر في قصر المرادية، تحت أي ظرف من الظروف. فرغم محاولات الانسجام التي يجتهد أطراف ما يعرف بالتحالف الرئاسي في اظهارها للرأي العام، وتمسك خطاباتهم السياسية بالالتفاف حول برنامج الرئيس بوتفليقة، الا أن العارفين بالآليات السياسية في الجزائر، يعتبرون  الموقف المذكور، وان كان نابع لدى البعض من قناعات ثابتة، فانه يفسر لدى البعض الآخر بضرورة ركوب القطار لا غير. لأن طبيعة المرحلة البوتفليقية، والميكانيزمات التي فرضها الرجل على الساحة، حتمت على هؤلاء مجاراته، ليس لسواد عيونه، بل خوفا من عواقب التخلف، والبقاء في حالة انتظار. لاسيما وأن الرئيس يملك من الناصية السياسية، ما مكنه من سحب جميع الأوراق وتوظفيها لصالحه، الأمر الذي أكسبه صفة القاطرة التي تجر العربات، فكل الفعاليات السياسية والمدنية صارت تسير خلف بوتفليقة، والكل ينهل من وعائه، في حين المتعارف عليه أن الرئيس أو المسؤول، هو الذي ينهل من وعاء الحزب الذي ينتمي اليه، بينما العكس تماما في الحالة الجزائرية.

واستنادا للمعطيات المذكورة، يتاكد أن طموحات الخصوم " الحلفاء "، تتعدى استحقاق 17 ماي المقبل، الى ابعد من مجرد التموقع المريح في البرلمان، أو التفرد بالحكومة. فقد نقلت مصادر عليمة " للعرب " أن أحد هؤلاء، يرى نفسه هو رئيس الجزائر ابتداء من ربيع 2009، ولذلك يجري طبخ الأمور على نار هادئة داخل حزبه، وما الاستحقاقات المقبلة، الا مجرد امتحان أبيض له، يستعمل نتائجها وتفاصيلها في ترتيب الأوضاع للموعد المذكور. وأما طرف آخر فقد أعلنها جهارا نهارا، أنه سيكون الحزب الحاكم في 2012. ولذلك ما انفك الرأي العام المحلي يصطدم يوميا بتناقضات سياسية، أفقدت أصحابها البريق الذي يفترض فيها. فأحيانا يدعون للتمسك ببرنامج رئيس الجمهورية، ويلتفون حول خيار المصالحة الوطنية، وفي أحايين أخرى يتلاسنون في الصالونات وقاعات التحرير. وهو الأمر الذي يؤكد طبيعة الأجندة الخاصة لكل طرف، ولو أن الاتفاق الافتراضي جار، على ان نتائج الاستحقاق المذكور لن تكون خارج الدائرة المعروفة بالأغلبية الساحقة، حيث تنبأ بلخادم ببقاء جبهة التحرير الوطني حزبا حاكما للبلاد، أما اويحي فقد ذكر بأن التجمع الوطني الديمقراطي سيكون القوة السياسية الثانية، وابو جرة توقع حصول حركة مجتمع السلم على ثلث البرلمان. وهي تخمينات تذهب في سياق شبهات تحوم حول الانتخابات التشريعية، كون بعض الأطراف ذهبت مسبقا الى ان النتائج ستكون وفق المحاصصة، أو ما يعرف جزائريا " بالكوطات ". وبالتالي اقتسام الكعكة، وتلميع المشهد ببعض الفتات للأحزاب الأخرى، والمرشحين الأحرار.

لكن وبغض النظر عن أجندة كل طرف، وطموحات كل حزب، فان الهاجس الأكبر الذي يؤرق قادة الأحزاب، الذين نزلوا منذ هذا الخميس الى الميدان، لعرض بضائعهم السياسية على الناخب الجزائري، هو حالة اللامبالاة التي تسيطر على الشارع، والتي يراها المراقبون بالنتيجة الطبيعية لجملة من العوامل، أو التصويت الخاص لرجل الشارع، الذي اختار أسلوب العزوف للتعبير عن موقفه. وهي رسالة يستوجب على الطبقة السياسية قراءتها جيدا، قبل أن تتحول الى " نكتة " في مخيال ذلك الشارع. ومن ضمن تلك العوامل الذي ساهمت في هذه الحالة، التي أفقدت ذلك الشارع رغبة الانخراط في الاستحقاقات السياسية، هي تعمق الهوة بين الطرفين، كنتيجة حتمية لتمييع العمل السياسي، حيث باتت الأحزاب تنام على موقف وتصبح على النقيض، نظرا للرجة التي أحدثتها الناصية السياسية للرئيس بوتفليقة، الذي سحب جميع الأوراق الرابحة من تحت بساطها، وألحق بها الافلاس. والسبب أنها أصيبت بكسل سياسي، فهي تحاول مجاراته دوما للنجاة بنفسها. وعليه صارت تقع في التناقض الصارخ مع نفسها، الأمر الذي أخلط حساباتها وتوازناتها. وبما أن أبرز خصوصيات الفرد الجزائري، تقدس مبدأ الصراحة والمصارحة، فان غياب خطاب ثابت لتلك الأحزاب، وتمسكها بثوب بوتفليقة أفقدها في بعض الأحيان خصوصياتها، ففقدت بذلك ثقة الشارع الذي يريد اختصار المسافة، بالتعاطي مباشرة مع الرئيس، بدل المرور على الطبقة السياسية، ما دامت كل الطرق تؤدي الى بوتفليقة.

 ثم أن  حالة الأغلبية الساحقة، والافراغ التدريجي لدور المؤسسة البرلمانية، خلق بدوره حالة من الرتابة المملة، التي تدفع الشارع الى العزوف عن الانخراط في تلك الاستحقاقات، بعدما تكوّن لديه انطباعا بأن حضوره أو غيابه لن يؤثر في الأمر شيئا، ما دامت كل الروافد تصب في وعاء ما يعرف بالتحالف الرئاسي. وما يدور في الفلك من أحزاب معارضة، وأحزاب مجهرية واحرار، لايعدو الا مجرد تلميع للمشهد أمام نظرات الرأي العام الخارجي، وليس الرأي العام المحلي. ثم أن البرلمان المنتظر لا يمكن أن يخرج عن السياق العام، ما دامت صلاحياته مفرغة بحكم التوجه نحو تكريس نظام سياسي رئاسي، يضع كل الخيوط بأيدي رئيس الجمهورية، وحتى المتاح منها غير مستغل، ما دامت المؤسسة قد تحولت على غرار المؤسسات الأخرى الى آليات لدعم الرئيس، وليس أداء الدور الرقابي والتشريعي. هذا علاوة على ظاهرة القصور الذي يظهر على تيار عريض من الطبقة السياسية، جعل السلطة من جهة، والرأي العام من جهة أخرى، تقيم عليها الحجة بخصوص الكثير من المبادئ السياسية، ذات العلاقة بالممارسة الديمقراطية، والتكامل بين القمة والقاعدة، وبالتالي الاستقرار والاجتهاد في خلق المقاربات الخاصة بها، للتعاطي مع الأوضاع المحلية.

فعدة أحزاب سياسية مرت بهزات نظامية كبيرة، بسبب الصراعات الداخلية الناجمة عن غياب الممارسة الديمقراطية، والتداول على المسؤوليات، ونموذج حركة الاصلاح لا يزال ماثلا أمام الملأ، فبسبب تلك الممارسات اندلعت حرب الأجنحة، وانتهى المشهد بالاطاحة بجناح زعيمها التاريخي جاب الله، وبروز تيار جديد بقيادة محمد بولحية. والعدوى تشمل قطاع عريض، ولو كانت الأضرار متفاوتة، ولم يسلم منها حتى حزب أويحي الذي قام باقصاء وجوه عديدة من مناضليه واطاراته، بسبب مشاكل نظامية وهناك تيار مناوئ له يحضر نفسه للإطاحة بخصومه. وحتى جبهة التحرير الوطني التي خرجت من أزمة 2004، مرشحة لدخول أزمة أخرى نظرا لحالة التململ والغضب التي تسود قواعد الحزب، بسبب عدم رضاها عن القوائم التي أعدها الحزب لدخول المعترك الانتخابي، فكثير من الأصداء تشير الى وجود اتصالات وتحركات مضادة لبلخادم، ستظهر معالمها بعد الاستحقاق التشريعي.

وبرأي المراقبين فان هذه الممارسات التي تؤسس لمشهد سياسي مشوه، هو الذي يدفع الشارع الى اللامبالاة، والاقتراع بطريقة العزوف، أو الذهاب الى  بعض الأحزاب، والمرشحين الآخرين في أحسن الأحوال، ما دامت الأحزاب الكبرى لا تحترم رغبات الشارع والقواعد النضالية، وتفرض عليهما مرشحيها من " فوق ". ولذلك لا يستبعد الاقتراع الانتقامي في العملية، مما قد يحدث مفاجآت غير سارة لأطراف التحالف الرئاسي، فحصولهم في أحسن الأحوال على النتائج السابقة، سيقرأ سياسيا على أنه جمود للحزب في مواقعه، اما اذا حدث شيئ من التراجع، فذلك يعني من دون شك هزيمة من النوع الايجابي، لأن الجمود في نفس الخط، أو التراجع النسبي، قد يكون بداية السقوط. وهو أمر غير مستبعد، لاسيما وأن الشارع الجزائري لا ينتظر خطابا جديدا ابان الحملة الانتخابية، لأن الأحزاب تعودت على طحن الماء، وتكرار " الأغاني " المعروفة، التي ألفها ولا يريد سماعها على ألسنتهم، ما دام صاحب التأليف والتلحين هو رئيس الجمهورية، الذي يفضلون الاستماع اليه مباشرة، بدل أن يستمعوا اليه بواسطتهم.        

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “الانتخابات التشريعية في الجزائر.. الأحزاب تطحن الماء والشارع يقترع باللامبالاة!”

  1. مقال افلح فيه الاخ صابر بليدي

    مشكور

  2. انتخبوا حزب جبهة التحرير الوطنى

  3. الرجاء انتخاب flnمن اجل الشهداء الابرار الدين حرروا الجزائر تحت لوهء حزب جبهة التحرير الوطنى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر