الفوضى الأمريكية.. قدم في المنطقة أم السقوط في مستنقع جديد؟

كتبهاصابر بليدي ، في 20 أبريل 2007 الساعة: 04:25 ص

بقلم: صابر بليدي من شرقها الى غربها، ومن جنوبها الى شمالها، سار الجزائريون في الشوارع والطرقات، في مظاهرات حاشدة للتنديد بالارهاب، وبالعمليات الاجرامية التي استهدفت مبنى قصر الحكومة، ومقار الأمن بالقرب من مطار هواري بومدين الدولي، مرددين كل الشعارات المناوئة للقاعدة، وللموالين لها في الجزائر وفي غيرها. كما وجهوا رسائل واضحة لكل الأطراف الخارجية، التي تريد ابتزاز الجزائر ومساومتها على مواقفها الثابتة، ازاء استقلالها وسيادتها الوطنية. فجاء الرفض متساويا لتهديدات تنظيم بن لادن والظواهري، مع مساومات واشنطن، وتعاملها الرعاعي مع تطور الأحداث في الجزائر، وكان الرد سريعا وشاملا، على الذين يريدون العودة بالبلاد الى مطلع التسعينيات، وجاء التأكيد الذي لا يرقى اليه شك، على التفاف الشعب الجزائري حول خيار المصالحة الوطنية، الذي أذاب كل الحواجز المتراكمة بفعل سنوات الأزمة، وجنت منه البلاد بواكير الأمن والاستقرار. وهي رسالة واضحة لكل الذين يريدون الصيد في المياه العكرة، سواء من طرف أنصار بن لادن، أو من طرف القوى التي تستهدف الجزائر، بنقل الفوضى الى المنطقة، عبر بوابة ملاحقة الارهاب. وكانت المداخلات التي قدمها بعض قادة الأحزاب السياسية في القاعة البيضوية بالعاصمة، التي احتضنت تجمعا شعبيا كبيرا، على هامش يوم المسيرات الشعبية المناوئة للإرهاب، واضحة في معالمها ومضامينها، التي تمحورت حول الاجماع على رفض الارهاب، ورفض التدخل الأجنبي. واذا كان الموقف الشعبي قد اختصر كل الألوان السياسية، والمرجعيات الفكرية والايديولوجية، ووحده في وجه الارهاب، الذي أثقل كاهل الجزائريين طيلة عقد من الزمن، فان الموقف الرسمي والسياسي، كان سباقا للتنديد واستنكار العمل الاجرامي، حيث توحدت كل الأطياف السياسية، بما فيها المحسوبة على المتشددين في التيار الاسلامي، أو معارضة المنفى، على رفض جر البلاد مرة أخرى الى مستنقع الدم والخراب، وفي هذا الصدد أعربت كل القيادات الحزبية، بما فيها رموز الحزب المنحل، والقيادات السابقة لما يعرف بالجيش الاسلامي للإنقاذ، عن استنكارها لهذا العمل، وشددت على تمسكها بخيار المصالحة الوطنية، كصمام أمان للجزائر من أي منزلق، وأصرت على الذهاب للإستحقاق الانتخابي في منتصف مايو المقبل.تفجيرات الجزائر التي مزقت هدوء سنوات من الهدوء والاستقرار، وحاولت صناعة الانطباع بأن البلاد في عين الاعصار الارهابي، بقدر ما شكلت هالة اعلامية لمنفذيها، بقدر ما تسير نحو فضح أياد أجنبية، ونوايا غير بريئة في التخطيط للعمليات، أو الاستفادة من تداعياتها، وعلى غير العادة في مثل هذه الحالات التي يسودها التكتم في بداية الأمر، صونا لسرية تفاصيل التحقيق، وعدم التشويش أو تحريف الحقائق، جاء رد السلطات الجزائرية سريعا، في كشف " رأس " الخيط كما يقال. حيث وبعد ايام قلائل كشف نور الدين يزيد زرهوني وزير الداخلية، أن السيارات المستعملة في التفجيرين استوردت من الخارج، وعملية التفجير تمت عن بعد، وليس بواسطة " الكاميكاز " الذين أثبتت التحقيقات الأولية، أنهم لم يكونوا ينوون تفجير أنفسهم، بل ركن السيارات الملغمة في الأماكن المحددة فقط، الا أنهم خدعوا من طرف المشرفين عليهم، الذين فجروا السيارات عن بعد، قبل أن ينزل هؤلاء من سياراتهم. وذكر وزير الداخلية في تصريح لوسائل الاعلام، بمدينة قسنطينة في شرق البلاد، عند مرافقته للرئيس بوتفليقة الى هناك، أن الجماعات المسلحة المحلية غير متعودة على مثل هذه العمليات، وليس بامكانها نفسيا ولوجيستيا تنفيذ ذلك، وهو ما يعطي الانطباع أن السلطات الجزائرية ترجح فرضية اليد الأجنبية. وفي هذه الحالة يطرح التساؤل التالي، من المنفذ وما الغاية من ذلك؟ والثابت في هذه الحالة أن المنفذ يريد توظيف الارهاب، وعدم الاستقرار الأمني في الجزائر لحساب أجندته.التفجيرات المذكورة على الظلال التي ألقت بها على المنطقة، ومستقبلها، وطبيعة المرحلة التي أسست لها، أثارت أزمة ديبلوماسية بين الجزائر وواشنطن، على خلفية تعاطي واشنطن مع الأحداث، لتنزل العلاقات الثنائية بين الطرفين، الى مستوى الفتور والانزعاج، رغم التطور الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، اذ ظل الطرفان يعتبران نفسيهما، شريكان كبيران في المجال الأمني ومحاربة الارهاب. وهو منعرج جديد، يؤشر بدوره الى مرحلة ديبلوماسية جديدة، باعتبار أن نوايا واشنطن تجاوزت برأي الملاحظين، المصالح المشتركة مع الجزائر، لأجندة باتت تثير المخاوف من الفوضى الأمريكية، التي تعمل على ايجاد عراق جديد في المنطقة، يتيح للمحافظين الجدد، توسيع الامبراطورية والاستحواذ على مصادر نفط جديدة في القارة السمراء، انطلاقا من شمالها. وكان البيان الذي وزعته السفارة الأمريكية على رعاياها في الجزائر، محذرة اياهم من اعمال ارهابية، القطرة التي أفاضت الكأس، ودفعت الديبلوماسية الجزائرية، لاستدعاء السفير الأمريكي، لابلاغه الموقف الجزائري ازاء تصرفات السفارة الأمريكية. لاسيما وأن " البلاغات " باتت مصدرا لترهيب الجزائريين،  ومساسا بالشأن الداخلي، وصارت مثيرة للتساؤل حول صدقيتها والغاية منها، لأنه كان يفترض فيها ابلاغ السلطات الجزائرية أولا، خاصة فيما يتعلق بالمزاعم التي تعلقت بالتحذير، من ضرب مقر التلفزيون والبريد المركزي. وفي هذا الصدد ذكر بيان وزارة الخارجية الجزائرية، أنها استدعت القائم بالأعمال لدى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، و قدمت له احتجاجا بخصوص إعلان البعثة الدبلوماسية المذكورة، عن اعتداءات وشيكة في مدينة الجزائر. وعلم لدى وزارة الشؤون الخارجية أن السلطات الجزائرية، التي تصف هذا الإعلان، بأنه "من نسج الخيال و غير مقبول" قد ذكرت الطرف الأمريكي بـ "وجوب الاحترام الصارم لسيادة بلد الاعتماد، و مبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية". كما أكدت أن "مثل هذه المبادرات تعد غير موزونة، و في غير محلها، و ذات أثر سلبي، كما أنها غير مسؤولة بالنظر إلى مقتضيات التعاون في مكافحة الإرهاب، طبقا للقانون الدولي، و الممارسات الراسخة في مجال التنسيق بين الهيئات المختصة". و أضاف البيان أن الجزائر التي بذلت تضحيات جسام في مقاومة الإرهاب، تنتظر من كل شركائها، مبادرات تعود بالفائدة المتبادلة، في ظل توازن الحقوق والواجبات.وكان وزير الداخلية قد خرج عن تحفظه، ووجه اتهامات ضمنية للسفارة الأمريكية في الجزائر، بمحاولة المناورة ، وعبر عن استغرابه لأهداف هيئة دبلوماسية تمثل دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، تقدم على إصدار بيان يرمي الى زرع الفزع والرعب في أوساط المواطنين، مستغلة ظرفا استثنائيا كالذي عاشته الجزائر. وأعطى الوزير تشبيها بليغا عن النظرة الأمريكية للجزائريين بقوله: إن أمريكا تنظر إلينا جميعا " كالبطة البرية " وشدد على أن تحذيرات واشنطن تثير التساؤلات، وتفتح العديد من الأقواس حول الأهداف الحقيقية من هذه التصريحات، المخالفة تماما للتقاليد والأعراف التي تحكم العلاقات بين الدول في تبادل المعلومات. ولم يفوت الفرصة ليدعو الرأي العام، ورجال الاعلام للعب دوره، وفضح ما أسماه "بالمؤامرة ". وهو تعبير خطير، لأنه صادر من رجل دولة، مما يعكس حجم السخط الذي بلغته السلطات الجزائرية، ويفتح المجال للتساؤل عن الدور الأمريكي في المنطقة، ونواياه من وراء توظيف الورقة الارهابية، وسر تدويل التنظيمات المحلية، الى أحد أجنحة القاعدة؟.الطبقة السياسية من جهتها، استهجنت تحذيرات السفارة الأمريكية بالجزائر، مما قالت إنها تهديدات إرهابية، بتفجير مقر البريد المركزي في قلب العاصمة الجزائر، ومقر التلفزيون الرسمي، واعتبرتها تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية للبلاد، ودعت السلطات العليا إلى التعاطي بصفة رسمية مع هذا التدخل، بشكل يحفظ للجزائر سيادتها. و أجمعت على أن الموقف الأمريكي مناف للأعراف الدبلوماسية، وينم عن الغطرسة التي تطبع مواقف الإدارة الأمريكية في علاقاتها الخارجية. وهو الموقف الذي عبر عنه الحزب الحاكم- جبهة التحرير الوطني- حيث شكك ناطقه الرسمي في النوايا الحقيقية للسفارة الأمريكية، من وراء نشرها لتوقعاتها، التي تبين فيما بعد أنها كانت زائفة، بالنظر إلى الانعكاسات التي خلفتها على نفسية الجزائريين وكذا الهالة الإعلامية التي خدمت كثيرا المستفيدين من تفجيرات "الأربعاء الأسود" على حد تعبيره. وأضاف- المتحدث- أن أسلم طريق كان يمكن أن تسلكه الإدارة الأمريكية هو أن تقدم المعلومة في سرية تامة لنظيرتها الجزائرية، إن كانت نيتها سليمة حقا، وإن كانت فعلا تريد مساعدتها، لكنها فضلت فعل غير ذلك. الأمر الذي دفعه إلى القول بأن الهدف الأمريكي ربما كان الترويج للعمليات الإرهابية، وخلق توترات وهمية غير واقعية على الصعيد الداخلي. وبرأي قيادي الحزب الحاكم فإن هذا الموقف الأمريكي يندرج في سياق استراتيجية أمريكية جديدة تتوخى البحث عن قواعد خلفية في منطقة ما وراء الأطلسي، بعد الرهانات الحقيقية التي تهدد وجودها في العراق وأفغانستان، ومنطقة الشرق الأوسط، لافتا إلى أنها "محاولة للبحث عن انتصارات استخباراتية وهمية، لجبر كسر الضربات العسكرية التي يتعرض لها جنودها، وجنود حلفائها في العراق وأفغانستان، بموازاة التموقع الجديد للدبلوماسية الروسية على الصعيد الدولي.  
أما عبد الرزاق مقري، نائب رئيس حركة مجتمع السلم، دعا الإدارة الأمريكية إلى التوقف عن التعامل باستخفاف مع الجزائر، وهو يعلق على "الإنذار الكاذب" لسفارتها بالجزائر، معتبرا ذلك عملا غير مقبول بالنظر إلى الإرباك الكبير الذي سببه للجزائريين، وقال: كان الأحرى بالإدارة الأمريكية أن تبلِّغ نظيرتها الجزائرية بما توصلت إليه، في سرية تامة إن كانت فعلا تريد تقديم خدمة للشعب الجزائري.  وأضاف: الموقف الأمريكي، يندرج في سياق السياسة الإمبراطورية، وهو موقف منسوخ عن مواقف سابقة، كانت قد تعاملت بها مع عدد من الدول العربية، منها المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية. ونبّه- المتحدث- إلى أن ظاهرة الإرهاب أصبحت وسيلة في يد الإدارة الأمريكية، تتحجج بها من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنه أشار إلى أن الموقف الأمريكي في الحالة الجزائرية تُشتم منه رائحة الطاقة، في ظل تنامي استهلاك واشنطن من نفط القارة الإفريقية والذي بلغ 10 بالمائة من وارداتها من الطاقة .وعلى غرار موقفي جبهة التحرير وحركة مجتمع السلم، جاء موقف حركة النهضة، حيث اعتبر رئيسها فاتح ربيعي ، إنذار "السفارة الأمريكة الكاذب" بمثابة التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلاد، ودعا السلطات الجزائرية إلى تكريس الأجواء التي من شأنها أن تكون حائلا أمام تكرار مثل هذه الممارسات.أما مؤسس ما يعرف بتنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، حسان حطاب، الذي أوقف منذ مدة رفقة أتباعه، العمل المسلح ويبحث عن ترتيبات الالتحاق بميثاق السلم والمصالحة الوطنية، فقد عبر عن براءة تنظيمه من العمليات التي استهدفت قصر الحكومة، ومقار الامن الوطني، وعبر أيضا في الرسالة وجهها للرئيس بوتفليقة، عن استيائه واستنكاره للتفجيرات المروعة، واعتبر العمليات خارجة عن تقاليد الجزائريين. كما حض المسلحين على عدم الانسياق وراء ايديولوجية القاعدة، وحذرهم من مغبة اقتراف جرائم، توظف لأبعاد سياسية وديبلوماسية لأطراف خارجية، كما لم يفوت الفرصة ليدعو الى الإلتفاف حول خيار المصالحة الوطنية، لضمان أمن واستقرار البلاد، وتحصينها من النوايا والأهداف الخارجية المبيتة.المتتبعون للأوضاع في المنطقة، يجزمون بأن التطورات الأمنية الأخيرة، بلّغت عدة رسائل، وكشفت بما لا يدع مجالا للشك، أن خيطا وثيقا بين مشروع القاعدة، واجندة الولايات المتحدة الأمريكية، يكاد أن ينكشف للأنظار، وقد يكون الزواج الأخير بين الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، وتنظيم القاعدة، والتهويل بواسطة نفخ " البالون "، تمهيدا لوضع ما بات يعرف بخطر القاعدة في منطقة الساحل الافريقي، لا سيما مع بداية تكشف نوايا واشنطن في بسط نفوذها في المنطقة، بداية من قاعدة عسكرية، اختار لها منظروا البيت الأبيض جغرافية الجزائر حيزا لها، الى غاية استحداث عراق جديد يسمح لواشنطن من الاستحواذ على مصادر النفط، وابعاد منافسيها من خط الصراع. واذا كان المتتبعون يتساءلون عن مدى قدرة امريكا على وضع قدمها، من دون الوقوع في مستنقع جديد، ينضاف الى مستنقعات أفغانستان والعراق؟ فان رسالة الجزائر كانت بدورها واضحة، وأولى معالمها هو الاجماع الرسمي والشعبي والسياسي، على رفض الارهاب والتدخل الاجنبي معا، مقابل الالتفاف حول خيار المصالحة الوطنية، وبالتالي فان المعادلة في هذه الحالة تفتقد لأحد اطرافها الفاعلة، وهو المعارضة التي تستقوي بالخارج، والزعماء الذين يحملون على ظهور الدبابات، لاحداث التغيير في بلدانهم.   

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر