اسبانيا.. القرب الجغرافي لا يحسم لعبة النفوذ في الضفة الجنوبية

كتبهاصابر بليدي ، في 28 مارس 2007 الساعة: 21:57 م

بقلم: صابر بليدي

بات من المؤكد أن منطقة شمال إفريقيا على أهميتها الإستراتجية والجيوسياسية، باتت محط أنظار اللاعبين الكبار للعبة النفوذ والمصالح، فالسباق صار سريعا بين مختلف الأقطاب، التي ترغب في ضم المنطقة الى مجال تغطيتها، وبالتالي ضمان مصالحها ووجودها في قارة، رغم ما عليها، ينتظر منها الكثير لإدارة الآلة الاقتصادية في العالم المتطور. فالى جانب النفوذ الفرنسي الكلاسيكي الذي يستمد جذوره من عقود القرن التاسع عشر، ويستند الى التراكمات التاريخية والاجتماعية والثقافية، هناك أيضا قوى أخرى زاحفة كشفت عن نواياها في القارة السمراء، وتأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعمل على توظيف الظاهرة الإرهابية، لنقل نفوذها الى ربوع العالم، فبعد أفغانستان والعراق، هاهي أنظار المحافظون الجدد تتجه الى القارة الإفريقية عبر شماعة الإرهاب، حيث يعكف البنتاغون على إنشاء قيادة جهوية للمنطقة بعنوان " افريكوم "، التي تضطلع ظاهريا بمواجهة توسع تنظيم القاعدة في الصحراء الكبرى، اما باطنيا فهو وضع قدم أولى للنفوذ الأمريكي في القارة السمراء. وبالموازاة مع ذلك يأتي التنين الصيني، الذي قطع عدة خطوات في سبيل تصدير فلسفة كونفوشيوس الى المنطقة، عبر جملة من الاتفاقيات والبروتوكولات من اجل ضمان تموين الآلة الصينية بثروات القارة، وإيجاد أسواق جديدة للمنتجات الصينية التي غزت العالم، وصارت تهدد مستقبل العديد من النشاطات في القارة الأوروبية والأمريكية. وبات جليا في الآونة الأخيرة أن جارة المغرب العربي في الصفة الشمالية، دخلت هي الأخرى على خط السباق، فالى جانب المعطيات الجوارية والتاريخية التي تحتم على اسبانيا ضرورة التعاون مع دول الضفة الجنوبية، وتقديم مقاربات للعديد من الملفات العالقة كالهجرة السرية والإرهاب، يأتي سباق النفوذ التي تنوي مدريد خوضه، فهي لا تريد تضييع شركاء الجوار لحساب قوى أخرى، هي أقرب منهم إليهم جميعا.

فاسبانيا التي لا تبعد الا ببضعة كيلومترات عن المنطقة، ونظرا للتراكمات الجغرافية والتاريخية، على معرفة واطلاع دقيق بشؤون واهتمامات المنطقة، ولذلك فهي تحاول توطيد علاقاتها المتنوعة بالشمال الإفريقي، واحتواء كل الخلافات مع هذه الدولة أو تلك، فرغم الملفات الشائكة لمناطق سبة ومليلية المغربيتين، وجزر ليلى التي كانت شرارة أزمة ديبلوماسية وسياسية بين المغرب واسبانيا خلال السنوات الفارطة، تمكن الطرفان من تطويق الأزمة، وإعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية بين الطرفين، لا سيما مع قدوم حكومة خوسي لويس تاباتيرو. ونفس الشيء مع باقي الأطراف الأخرى ولو بدرجات متفاوتة. لكن الخلافات المغاربية- المغاربية عموما، وبقاء القضية الصحراوية طيلة ثلاثة عقود بدون تسوية، لا زال يعيق التقارب الحقيقي بين اسبانيا ودول شمال إفريقيا، والجزائر والمغرب على وجه التحديد، فكل ما تريده مدريد يمكن للجزائر او الرباط تلبيته، الا التنازل عن الموقف إزاء القضية المذكورة، فكل طرف يحاول انتزاع موقف صريح وجريء منها، لدعم موقفها من القضية، وهو ربما ما أوقع ولازال يوقع اسبانيا في حالة من " الحرج " الدبلوماسي، فإذا أدارت وجهها للمغرب وخزتها الجزائر من الخلف، والعكس صحيح. ولذلك شهدت العلاقات بينها وبين هذا الطرف او ذاك، فتورا بسبب التحيز لهذه المقاربة او تلك المتعلقة بالقضية الصحراوية. وكلا الطرفين يحاول توظيف المسؤولية المعنوية لاسبانيا على الصحراء الغربية  لصالحه، كونها كانت إحدى مستعمراتها في السابق، فمن جهة تعتبر الرباط المنطقة امتدادا جغرافيا لسيادتها الوطنية، ومن جهة أخرى تعتبر الجزائر القضية قضية تصفية استعمار في القارة السمراء، ينبغي تسويته عن طرق الشرعية الدولية.

وبما ان كل شيء بالنسبة لاسبانيا مع المغرب والجزائر، مرتبط بموقفها إزاء القضية، تحاول الديبلوماسية الاسبانية اللعب على الحبلين، وانتهاج أسلوب ازدواج المواقف لتحقيق مصالحها في المنطقة، وخوض سباق النفوذ بذكاء، من خلال إرضاء هذا الطرف أحيانا، والطرف الآخر في أحايين كثيرة. ونظرا لارتباطها الوثيق في العديد من المجالات بالمنطقة، ارتأت في الآونة الأخيرة إيفاد رئيس وزرائها الى الرباط، وملكها الى الجزائر، وفيما أبدى الأول انسجاما مع الطرح المغربي في الملف الصحراوي، أبدى الثاني نفس الشيء مع الطرح الجزائري، ولو أن ثاباتيرو هو الرجل الأول في اسبانيا من الناحية العملية والتنفيذية، فان الثاني على هالة ووزن معنوي في القرار الاسباني، وعليه لا يمكن قراءة الموقفين المصرح بهما في العاصمتين المغاربيتين، أنهما متناقضان، بل سيصبان من دون شك في تعزيز مصالح مدريد في المنطقة. فإذا كانت الأخيرة في حاجة الى تعاون اقتصادي مع المغرب، فهي في أمسّ الحاجة أيضا الى الغاز الجزائري، الذي يغطي جزءا عريضا من الاستهلاك الاسباني، وهناك مشاريع حساسة بين البلدين في هذا المجال. ولأن " كارتل " الغاز بصدد التبلور عبر محور الجزائر- روسيا لخلق تكتل طاقوي جديد، فان الملك الاسباني يريد الاطمئنان بنفسه على أحد مصادر تموين اسبانيا بالمادة الحيوية، ويكون الرئيس بوتفليقة قد فهم الرسالة بسرعة، لذلك اختار المناسبة ذاتها ليعبر عن موقف الجزائر المؤيد لتأسيس ما أصبح يصطلح عليه باوبيك الغاز، ليؤكد للإسبان أن الجزائر تتفاوض معهم من موقع قوة، يستوجب المقايضة بين ضمان مصدر الطاقة، و الموقف المساند لمطالب جبهة البوليساريو.

وبما أن سلطات مدريد استشعرت الخطر الذي يداهم جوارها في الضفة الجنوبية، من طرف قوى كبرى في العالم كما سلف ذكره، فانها تسعى لتعزيز مواقعها في المنطقة، وتحييد القضايا الخلافية التي تعيق تغلغلها، فأبرمت اتفاقية الصداقة بينها وبين الجزائر منذ سنوات وما انفكت  تلك العلاقات تتوج بالمزيد من الانجازات، فبمناسبة زيارة الملك تم إبرام ستة اتفاقيات تعاون. لكن رغم ذلك تبقى اسبانيا تراقب عن كثب مسار القضية الصحراوية، الذي أحرج موقفها الرسمي، أمام الإلحاح الذي تمارسه عليها كل من الجزائر والرباط، فالأولى ما انفكت تشهر أوراقها من أجل افتكاك موقف اسباني، يدعم الحل عبر الشرعية الدولية، الذي يضمن استفتاء تقرير المصير للصحراويين. أما الثانية فتمارس نفس الدور من اجل دعم اسباني، للطرح القائم على مقاربة الاستقلال الذاتي، في إطار السيادة المغربية. وفي انتظار ما سيسفر عنه المخاض خلال الشهر المقبل، عندما يقدم الملف مجددا أمام مجلس الأمن تبقى اسبانيا تمارس الازدواجية والحذر، لأن طبيعة لعبة النفوذ تحتم عليها عدم التخلف، لكن هناك قضية صحراوية تحول دون تحقيق التقارب المنشود، رغم تقارب الجغرافيا.

   

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر